حبيب الله الهاشمي الخوئي
274
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
في مقام التمرّد والانية والعناد . وكذلك جرت عادة اللَّه سبحانه على أن ( يبتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ، ونفيا للاستكبار عنهم ، وابعادا للخيلاء منهم ) يعنى أنّه سبحانه يكلَّفهم بأحكام لا يعلمون دليلها وسرّها ونكتتها والغرض منها ، ليميّز المنقاد من المتمرّد والمتذلَّل من المستكبر . ألا ترى أنّ أكثر الأحكام الشرعيّة الَّتي في شرعنا مما لم يستقلّ العقل بحكمه من هذا القبيل . وكذلك غالب أحكام ساير الشرائع تعبّديات صرفة ، مثل وجوب حمل الأمم السالفة قرا بينهم على أعناقهم إلى بيت المقدّس ، فمن قبل قربانه جائته نار فأكلته ، فانّ علَّة وجوب حملها على الأعناق ونكتة ذلك التكليف الشاقّ غير معلومة . وكذا المصلحة في إحراق القربان ذي الحياة بالنّار ممّا لا نفهمها . ومثل ما امتحن اللَّه به جنود طالوت من شرب الماء حيث قال * ( « فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْه ُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْه ُ فَإِنَّه ُ مِنِّي » ) * . ومثله ما اختبر به أصحاب السّبت من نهيهم عن الصيد في يوم السّبت ، فانّ العقل لا يفرق بين أيام الأسبوع ولا يدرك قبح الصّيد في ذلك اليوم وجهة النهي عنه وحسنه في ساير الأيام وجهة إباحته ، فانظر إلى عظم البلوى في ذلك التكليف كيف أوقعهم التعدّى عنه في الخزي العظيم . فكانوا قردة خاسئين . كما قال سبحانه * ( وَسْئَلْهُمْ ) * أي اليهود * ( « وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما ) * إلى قوله * ( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِه ِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ . السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا ) * . قال في تفسير الإمام قال عليّ بن الحسين عليه السّلام قال اللَّه عزّ وجلّ * ( فَلَمَّا عَتَوْا ) * صاروا وأعرضوا وتكبّروا عن قبول الزّجر * ( عَنْ ما نُهُوا عَنْه ُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) * مبعدين من الخير مبغضين ، هذا .